عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

527

اللباب في علوم الكتاب

المرتبة الرابعة : الرسل ؛ وهم الّذين يأخذون الوحي من الملائكة ، فيكونون متأخّرين عن الكتب ؛ فلهذا جعلوا في المرتبة الرابعة . قوله : « لا نفرّق » هذه الجملة منصوبة بقول محذوف ، تقديره : « يقولون : لا نفرّق » ، ويجوز أن يكون التقدير : « يقول » يعني يجوز أن يراعى لفظ « كلّ » تارة ، ومعناها أخرى في ذلك القول المقدّر ، فمن قدّر « يقولون » ، راعى معناها ومن قدّر « يقول » ، راعى لفظها ، وهذا القول المضمر في محلّ نصب على الحال ، ويجوز أن يكون في محلّ رفع ؛ لأنه خبر بعد خبر ، قاله الحوفيّ . والعامّة على « لا نفرّق » بنون الجمع . وقرأ ابن جبير « 1 » وابن يعمر وأبو زرعة ويعقوب - ورويت عن أبي عمرو أيضا - « لا يفرّق » بياء الغيبة ؛ حملا على لفظ « كلّ » ، وروى هارون أنّ في مصحف عبد اللّه « 2 » « لا يفرّقون » بالجمع ؛ حملا على معنى « كلّ » ؛ وعلى هاتين القراءتين ، فلا حاجة إلى إضمار قول ، بل الجملة المنفية بنفسها : إمّا في محلّ نصب على الحال ، وإمّا في محلّ رفع خبرا ثانيا ؛ كما تقدّم في ذلك القول المضمر . قوله : « بين أحد » متعلّق بالتفريق ، وأضيف « بين » إلى أحد ، وهو مفرد ، وإن كان يقتضي إضافته إلى متعدد ؛ نحو : « بين الزّيدين » أو « بين زيد وعمرو » ، ولا يجوز « بين زيد » ، ويسكت - إمّا لأنّ « أحدا » في معنى العموم ، وهو « أحد » الذي لا يستعمل إلا في الجحد ، ويراد به العموم ؛ فكأنّه قيل : لا نفرّق بين الجميع من الرسل ، قال الزمخشريّ : كقوله : فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ [ الحاقة : 47 ] ، ولذلك دخل عليه « بين » وقال الواحدي : و « بين » تقتضي شيئين فصاعدا ، وإنما جاز ذلك مع « أحد » ، وهو واحد في اللفظ ؛ لأنّ « أحدا » يجوز أن يؤدّى عن الجميع ؛ قال اللّه تعالى : « فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ » وفي الحديث : « ما أحلّت الغنائم لأحد سود الرّءوس غيركم » ، يعني : فوصفه بالجمع ؛ لأنّ المراد به جمع ، قال : وإنّما جاز ذلك ؛ لأنّ « أحدا » ليس كرجل يجوز أن يثنّى ويجمع ، وقولك : « ما يفعل هذا أحد » ، تريد ما يفعله الناس كلّهم ، فلما كان « أحد » يؤدّى عن الجميع ، جاز أن يستعمل معه لفظ « بين » ، وإن كان لا يجوز أن تقول : « لا نفرّق بين رجل منهم » . قال شهاب الدين : وقد ردّ بعضهم هذا التأويل ؛ فقال : وقيل إنّ « أحدا » بمعنى « جميع » ، والتقدير : « بين جميع رسله » ويبعد عندي هذا التقدير ، لأنه لا ينافي كونهم مفرّقين بين بعض الرسل ، والمقصود بالنفي هو هذا ؛ لأن اليهود والنصارى ما كانوا

--> ( 1 ) انظر : المحرر الوجيز 1 / 392 ، والبحر المحيط 2 / 380 ، والدر المصون 1 / 694 . ( 2 ) انظر : السابق .